في تموز ٢٠١٤، أذكر يوم كنت أُتابع جلسات المحاكمة في المحكمة العسكرية. شهِدتُ جلسة لمحاكمة حسين عطوي ب "جرم" إطلاق الصواريخ على الأراضي المحتلّة. لم يكن الماثل أمام هيئة المحكمة فتى متهوراً، ولا شاباً مراهقاً، بل كان رجلاً مثقفاً ورصيناً في العقد الخامس من العمر. يحمل الدكتوراه في الدراسات الإسلامية. وكان قد عمل صحافياً لعدة سنوات قبل أن ينتقل إلى التدريس في الجامعة.
ترعرع حسين في بيت مقاوم. وُلد في بلدة الهبارية العرقوبية في جنوب لبنان عام 1968. القرية التي تقع على السفح الغربي لجبل الشيخ، وتربطها حدود مع سوريا وفلسطين المحتلة. حين كان عمره ٩ سنوات، استُشهدت والدته بقذيفة إسرائيلية عام ١٩٧٧. لملم والده أشلاءها بيديه ليكبر حسين يتيماً مع هذا الجُرح. وبعد الاجتياح الإسرائيلي عام ١٩٨٢، انخرط في صفوف المق/اومة عبر «قوات الفجر»، الجناح العسكري التابع للجماعة الإسلامية.
في جلسة المحاكمة تلك، واجه عطوي رئاسة المحكمة بالقول ألا تخجلون من محاكمتي؟! أرضي مُحتلّة ومن حقّي الدفاع عنها. لكنّ ذلك لم يحل دون سجنه للأسف. يومها كتبت مقالاً بعنوان: "حسين عطوي: الشيخ والمثقف والمقا/وم".
مرّت السنين، ومع كل مرة، كانت تُطلق صلية صواريخ على العدو كنت أبحث فيها عن أثرٍ لعطوي. مع بداية الحرب الإسرائيلية على أرضنا، وتحديداً في كانون الثاني ٢٠٢٤، انتشر خبر عن مسيّرة لاحقت شخصاً في بلدة كوكبا الجنوبية. استهدفت سيارته من نوع رابيد، لكنه قفز منها قبل إصابتها والتجأ إلى منزلٍ قريب. عاودت المسيرة استهدافه للمرة الثانية، لكنّه نجا مجدداً. خرج من المنزل لتطلق عليه صاروخاً ثالثاً، لكنّه لم يُصب منه مقتلاً. كُتب لحسين يومها عمرٌ جديد أفنى ما تبقى منه في المقا/ومة، كما كلّ سنينه التي قاتل فيها بكل ما أوتي من قوة ووفاء.
لم أعرف حسين شخصياً، لكني كنت أتابعه بقلبي وعقلي وأشعر بآثاره ولمساته. مجرّد معرفتي أنّه يُرابض هناك على تلك الحدود الجنوبية، لم يملّ ولا يزال يترصّد العدو ويتحرّك بعناده وإصراره مناضلاً، كان يمنحني أملاً وفرحاً.
اليوم تمكن الموت من حسين. أحزنني كثيراً هذا الخبر مع أنني كنت أتوقعه في كل لحظة. استهدفه شِرارُ أهل الأرض في سيارته على طريق بعورتة الشوف. ارتقى المثقف والمقا/وم شهي.داً ليروي بدمائه أرضنا المقدّسة. بقي وفياً ومقاو.ماً حتى آخر نفس.


